
أن يحمل المرء المسلم همَّ الدعوة إلى الله فهذا أمر طبعي؛ إذ هو استجابة لأمر الله لنبيه والخطاب للأمة كلها (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) [الشورى:15]. (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). [القصص:87]. (قُُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ). [الرعد:36]. فالدعوة إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ ينبغي أن تكون همّ المسلم بالليل والنهار في السر والعلن، قوله وعمله وسلوكه وهيئته دعوة للناس وهداية إلى صراط الله المستقيم؛ إنه الأنموذج الذي يُشار إليه بالبنان احتراماً وتوقيراً ومهابة لا تناقض بين ظاهره وباطنه، بل المطابقة بينهما هي السمة والعلامة المميزة في حياته كلها.
ولست أتحدث عن هذا السبيل المبارك ولا عن هذه الفئة الطيبة فقد كُتِب في ذلك الكثير، ولكن حديثي هنا عن نمط ممن يُسمّون بالدعاة إلى الله الذين كان الأولى بهم أن يحملوا همّ الدعوة، ويقوموا بأعبائها، ويتحملوا أثقالها، فإذا بها تحمل هموم أنفسهم ومشاكلهم! ثم توجه إليها سهام الانتقاص والتشكيك والنقد والتجريم بما اقترفته أيديهم من سلوكيات وتصرفات، ما كان ينبغي لهم أن يفعلوها، وأقوال وكلمات ما كان لألسنتهم أن تتفوه بها..
ذلك أن المرء منهم منذ أن يُدرك عظمة هذا الدين وعلو شأنه يتشرب عقله وقلبه حب الدعوة إليه، وهداية الناس إلى طاعة المولى الكريم، ابتغاء الأجر العظيم، والفوز بالخير العميم في جنات النعيم؛ فيسعى جاهداً للوصول إلى هذا الشرف العالي والمنصب الغالي؛ طلباً وتحصيلاً وهمة ونشاطاً وعملاًً ومثابرة، إلاّ أن الأخ الفاضل ـ حفظه الله وسدّد خطاه ـ ينسى أو لم يتفطن أن ذلك يحتاج منه أن يدفع ضرائب مستحقة، ويسدد تكاليف باهظة حتى يستقيم أمره في الدعوة إلى الله (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ). [العنكبوت:2]، إن الدعوة إلى الله ليس كلمة تُقال أو وظيفة يُعمل فيها، إنما هي رسالة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. لكن هذا الداعية المتحمس استثقل الأمر؛ فكان حملاً ثقيلاً عليها(الدعوة)، وصارت تتحمل تصرفاته غير المنضبطة، وخطواته المتسرعة، وأخلاقه السيئة، وسلوكياته المشينة؛ فأثقل كاهلها وشوّه سمعتها، وفتح المجال واسعاً للمتربصين بها والحاقدين عليها من السفهاء، وممن لا خلاق لهم يلقون عليها قاذورات ألسنتهم تشويهاً وتجريحاً وتنكيلاً ليصدوا عن سبيل الله عزَّ وجل.
إنه صنف من الدعاة ليسوا كثرة بل أحسبهم قلة، لكنها مؤثرة في واقع الحياة، تحملتهم الدعوة عنوة بغير رضاها؛ فأثقلوا كاهلها، وعثروا سيرها، وأخّروا تقدمها، ونفّروا روادها!!
ليتهم تنحوا ورجعوا، فصاروا أناساً كمجموع الناس مدعوّين، وليسوا دعاة لكان ذلك أجمل وأليق بهم، والواقع يزخر بنماذج ممن حملت الدعوة همهم، وما زالت تحمله، وتدفع فوق هذا الحمل ضرائب سلوكياتهم وأفعالهم الشيء الكثير:
فمنهم من تراه يلقي الخواطر والكلمات والخطب والمحاضرات، فاضطرته ...



