06 مايو, 2009

الخروج من النفق المظلم

الاستهانة بصغائر الأمور تدفع الإنسان إلى استقبال العظائم ومعالجة المصائب والنوائب فإما أن يتجاوزها بسلام ويخرج منها أصلب عوداً ، وأكثر عزيمة وهمة . وإما أن يخرج منها وقد تهدم سقف بيته على رأسه ورؤوس عياله وأولاده ويرجع مرة أخرى يرمم ما اقترفه شطط عقله وحماقة فكره .
وهاهي الأيام تتوالى والأحداث تتسارع ودقات ناقوس الخطر تشتد طرقاً لتخبر العقلاء أن الطريق موحش ، والمقدمات سيئة ، والنتيجة صعبة فعليهم الأخذ بزمام المبادرة ، وإعادة برمجة العقل لاستيعاب ما يجري على أرض الواقع وما يكتنفه ويحيط به من أعمال وتصرفات قد تُحطم كل ما بُني وشيد ، وتعيد الحياة المدنية في الوطن المغلوب على أمره إلى حافة الهاوية السحيقة .
ما يحدث في المناطق الجنوبية من اليمن من حراك سياسي سلمي ومطالب يزداد سقفها يوما عن يوم وتزداد صفحاتها بالسواد والقتامة لتدخل الجميع في متابعة لا تخلو من الاستفزاز والترقب بل لا تبعد عن التوقعات التي وصلت إليها أفهام المراقبين كل بحسبه ؛ فبين مؤمل إلى إخماد لهيب هذا الحراك وعودة الأمور إلى نصابها وبين شغوف بتحقيق حلم يلوح بين ناظريه في حلِّه وترحاله ، ويقظته ومنامه ؛ عنوانه "عودة الحقوق إلى أصحابها ، وانقشاع غمة أبت إلا أن تظل جاثمة فوق صدور المناضلين الشرفاء".
ويبقى المصير غائباَ عن الأذهان !! فأما الذي يرجو السلامة والعافية يقول اللهم سلّم سلّم فأي طريق يؤدي إليها لا يعدله أي طريق آخر ؛ فلا دماء ، ولا ثارات ، ولا أشلاء ، ولا عودة إلى الخلف خطوات إلى الوراء ، ولكن هيهات لسلامة أن تطل من الأفق المليء بغمامة الاضطرابات والقلاقل والتدافع وهيهات هيهات أن ينجو هذا الوطن الجريح دوماً من وخزات وجراحات هذه الأعواد التي تحترق في جسده بين الفينة والأخرى والخوف كل الخوف أن يزداد اضطرامها :
فإنَّ النارَ بالعُودين تُذْكَى ... وإنّ الحربَ أوّلُها الكلام
فقلتُ من التعجُّب: ليتَ شعرِي ... أَأيْقاظٌ أُمَيَّةُ أم نيامُ
فإن كانُوا لِحِينِهِمُ نياماً ... فقُلْ قوموا فقد طال المنام

نعم ؛ لقد طال منام الساسة والمسؤولين وأخذوا على أنفسهم أن يطيلوا النعاس والتغابي والتعامي عن مثل هذه القضايا التي يعدونها صغائر وأعمال متهورة وأفعال تنبئ عن مؤامرات تحيكها دول خارجية وقوى متآمرة على الوطن الحبيب أما الواقع المعاش فهو يحفل بالمنجزات ويفتخر بالمعطيات ويزهو بما وصل إليه من النتائج والمكرمات .فلا فساد ولا بطالة ولا فقر ولا نهب لثروات البلاد وضياع لحقوق العباد ولا شيء يعكر صفو الحياة غير هذه الشرذمة الباغية التي تعشق العزف على أوتار أحلام العودة إلى الماضي البغيض وتسعى إلى تمزيق الوطن المريض :
إذا كنتَ مظلوماً فلا تُلفَ راضياً ... عَنِ القَوْمِ حتَّى تأخُذَ النصفَ واغْضَبِ
وَإن كنتَ أنتَ الظَّالمُ القومَ فاطَّرِحْ ... مقالتهم وَأشْغب بهم كل مَشغَــــبِ

والحق الذي لا مرية فيه أن هذه النظرة غير منصفة لما يعتمل في الواقع ولما تردده الألسن وتكتبه الأقلام من المشاهد والآلام المتكاثرة ، بل لا شيء غير الأزمات المتتالية والحروب الطاحنة والجرعات الظاهرة والمبطنة والسير بخطىً ثقيلة أو ضعيفة لا تحدث تغيراً في حياة الشعب باستثناء فئة متنفذة ومتسلطة ومحتكرة ومهيمنة على منافذ التحول نحو العز والتقدم والرخاء لبقية أفراد الشعب .هذا هو الواقع فإن صور الحياة اليومية لا تغيير فيها غير رتوش باهتة لا تصنع مجدا ولا تقدم سعدا ولا تقول للشر بعدا بعدا بل تناديه بملء فيها هلم إلينا ..
والمخرج الذي يجب أن يسعى إليه كل نزيه ووطني شريف ، بل ومن المحبين من أهله في المهجر ومن جيرانه الذين ستلفحهم نيران الفتن والقلاقل الموجودة إن لم يصطلوا بها؛ أن يقفوا وبحزم أمام معطيات الواقع ويسارعوا إلى تقديم مشروع مصالحة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح بما يخدم أمن البلاد والعباد ورخائهم وسعادتهم واطمئنانهم ، وبما يخدم قوة وتلاحم منطقة الجزيرة العربية في وجه الأخطار المحدقة به والتي تخدمها هذه الأحداث الدامية والاحتقانات الشديدة وسيخرج الجميع يحمل معه آهات الحسرة والندم لما اقترفه من إهمال لمطالب الناس المشروعة واستهتار لأجندة الآخرين الذين يترقبون ويتربصون بالمنطقة الدوائر وينصبون لها الحبائل وربما بعد أن تقع الفأس في الرأس يكون لسان حالهم :
عليكَ سلامَ اللّه من مَنزلٍ قَفْرِ ... فقد هِجْتَ لي شوقاً قديماً وما تدرِي
عهدتك من شهر جديداً ولم أخَلْ ... صُروفَ النّوَى تُبلي مغانيك في شهرِ


نشر المقال على موقع المكلا اليوم

0 التعليقات:

إرسال تعليق