الأربعاء، 9 نوفمبر، 2016

هل أصبح الحامل السياسي الجامع للقضية الجنوبية سراباً؟


هل أصبح الحامل السياسي الجامع للقضية الجنوبية سراباً؟
طه بافضل
لنفترض جدلاً، أن الدول المؤثرة في القرار الدولي، قررت، الاستماع إلى أبناء "جنوب اليمن" بالجمهورية اليمنية، وما رأيهم في فك ارتباط دولتهم السابقة "جمهورية اليمن الديمقراطية" من اتفاق الوحدة اليمنية، التي وقعت مع "الجمهورية العربية اليمنية"، وكيف سيكون شكل الدولة القادمة التي يريدونها؟ وما الخطوات المرحلية التي يمكن صياغتها للوصول إلى هذه الدولة؟!
 أعظم إشكالية ستواجه هذه الدول، هي تعدد الأصوات والرموز والقيادات، وبالتالي اختلاف الرؤى والأفكار..
لا يخفى أن التشرذم، والتجزؤ، وكثرة المدّعين للزعامة والقيادة في صفوف الحراك الجنوبي سابقاً والمقاومة الجنوبية حالياً، هي في الأصل، صناعة عفاشية بامتياز، وبضخ كبير للأموال والدعم للرموز المشهورة التي فضحها الزمن، حتى ظهرت وبلا مواربة، بأنها جناحٌ إيراني تتخذ من الضاحية الجنوبية اللبنانية مقراً إعلامياً لها، ومن طهران قبلة يتوجهون إليها كلما نفدت المؤنة وقلّ الزاد! وبالتالي ظهر في الساحة الداخلية للجنوب العربي من يحاول تنفيذ أجندة الخارج ولو بمحاولة التشغيب على الواقع المحتاج إلى رص الصفوف، واجتماع الكلمة، وترتيب الأولويات، وفقه الواقع المحلي والخارجي، والظهور بمظهر التماسك لا التفكك، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير، وذلك أن هؤلاء المختلفين لا يفقهون هذه الخطوط الرئيسة في النضال السياسي لأن بعضهم مأجورون ولو ظهروا بمظهر المناضلين والمقاومين الأفذاذ!!
لا تعني هذه المقدمة، أنني أردد محاولات التشكيك في عظمة مسيرة الحراك السلمي الذي ضحّى بآلاف الشهداء وأكثر منهم الجرحى والمعوقين، من جرّاء أساليب التعسف الجائر المسلط عليهم من أجهزة النظام السابق، كلا؛ فثمة أجنحة صادقة ومخلصة، وأخرى عميلة مخادعة مرتبطة بأعداء القضية نفسها ومن سخّر كل إمكاناته لإفشالها بكل ما أوتي. هذا أمر طبعي في كل التنظيمات السياسية والمسلحة ولو ادعت بعضها أنها تمثل الإله المقدس.

لهذا، لا نستغرب، أو نتعجب، بقاء دعوات إقامة الحامل السياسي الجامع للجنوبيين تراوح مكانها، مهما كان ثقل المنادين بها، فالفشل هو العنوان الحتمي لها، متى ما كان التنازع موجوداً، قل أم كثر، لأنه يورث الشكوك والظنون السيئة، مع أساليب التخوين والاستهتار والاحتقار والإسقاط والإلغاء لمواقف الآخرين في مواطن النضال والكفاح السياسي والعسكري، لأنه ليس من جماعتهم أو الخوف من أن يسحب البساط على مكونه، وكذا محاولة التقليل من أي جهد واستصغاره وعدم الإشادة بهذا الجهد ولا بمن قام به!
ثمة صعوبة كبيرة في إيجاد حامل سياسي جامع للقضية الجنوبية يمثل كل الناس في الجنوب، وهذه الصعوبة ما هي إلا لتراكمات الماضي سواء كانت قبل الوحدة أم بعدها،  ولنبدأ بالماضي ومخلفاته التي تثقل كاهل كل مخلص ومحب للجنوب، فالصراعات السابقة والتي سفكت فيها الدماء بين أبناء الجنوب فانقسموا بين طغمة وزمرة خصوصاً بعد أحداث 13يناير1986م منطلقة من داخل أروقة المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني الحاكم، فازدادت اشتعالاً في شوارع العاصمة عدن والمناطق المحيطة بها، وربما سبقتها أحداث هنا وهناك كانت كشرارة لما بعدها، برغم كل الجهود الكبيرة لنسيان هذا التاريخ القاتم المظلم، من خلال إقامة مهرجانات التصالح والتسامح، إلا أن العرب سرعان ما تؤزهم نزغات الشيطان أزاً، تذكرهم بأيامهم السوداء قبل البيضاء فتغلي الدماء في عروقهم فيهدمون ما بنوه من أمجاد!! ولا يعصمهم بعد الله إلا التوافق على ميثاق شرف جنوبي ينسى الماضي ويعيش الحاضر ويبني المستقبل.
معضلة القيادة التاريخية، ورصيد النضال الذي تحمله، جعل منها عائقاً لتحقيق درجات من التطور والتقدم في مسيرة الحراك، وأصبحت ذات أسنة حادة قطّعت الجسد الجنوبي أكثر من لملمة جراحه وتقوية ضعفه، بل مزقته كل ممزق فبين مدافع عن الزعيم ومناوئ له، وبين رافع لراية الرئيس الشرعي ومن يحمله مسؤولية ما وصل إليه حال الجنوب بعد الوحدة المشؤومة والتعيسة، وآخر رافع لراية رابطة الجنوب وهو يميل معها حيث مالت وترنحت ثم غابت وإذا ظهرت ورفعت عقيرتها ورفعت صوتها فعل مثلما فعلت، وهكذا، تاه الشباب وضاعوا في زحمة الأصوات التي يرونها واحدة، وهي في لحظة الاجتماع هائمة في أودية شتى!!
منذ 2007م وحتى 2016م لم يتحقق للجنوب المكلوم سوى عدد من الحشود الألفية والتي تسمى بالمليونية تكثيراً لها، تنتهي ببيانات رافعة سقف مطالبها وبأصوات على المنصة صاخبة، ثم يعود الناس إلى ديارهم ينتظرون مناسبة أخرى ليعودوا إلى عادتهم برفع أعلام "اليمن الديمقراطية" والنداء بشعارات واحدة تنادي بفك الارتباط وتقرير المصير. جانب من الفوضى والعبثية والرعونة كانت تملأ الشوارع إحراق للإطارات مع تحريض للشباب والطلاب للتظاهر وقطع الدراسة وتوقفها، لقد كانت مرحلة صاخبة تضاعفت مع مجيء ما يسمى بالربيع العربي فكأن الحراك السلمي وجد من يؤنس وحشته فواصل سعيه ونشاطه لعله يجد من يلتفت إليه من دول العالم..
 لم يكن الصوت الإعلامي للحراك الجنوبي بالشكل المؤثر، نعم موجود لكنه ضئيل إذا ما قورن بسيطرة أبناء الشمال على وسائل الإعلام الخارج فكان جلهم مراسلين لعديد الصحف والمواقع والوكالات العالمية، بالرغم من أسبقية الحراك الجنوبي على الربيع العربي إلا أن أصواته لم تصل إلا إلى دول مجاورة ساندت جنوب اليمن في حرب 1994م وبعد فشل الجنوب في هزيمة الشمال، أحجمت عن التأييد السياسي لقضية الجنوبيين حتى جاءت أحداث الانقلاب الحوثعفاشي والذي ظهر بأنه خطر محدق بهذه الدولة وخصوصاً الجارة الكبرى المملكة العربية السعودية فهبت وبقوة لمواجهته، ولو لم يكن ثمة انقلاب لظلت الأحوال على ما كانت عليه.
ناهيك عن ضعف القيادة الحراكية في الفهم السياسي العميق، ومازال العديد من الرؤوس المحركة للمكونات تقبع في دائرة الشمولية الأولى قبل الوحدة اليمنية، فقامت بالتقوقع حول ذاتها وأساليبها ورفضت الانفتاح على بقية فئات المجتمع الجنوبي التي تختلف في نظرتها إلى مظلومية الجنوب وآلية مواجهة الظلم والاستبداد لنظام علي عبدالله صالح، فظلت قواعد الحراك الجنوبي تنهمك في سجالات وصراعات مع كل من له علاقة بالشمال خصوصاً أعضاء وأنصار حزب التجمع اليمني للإصلاح، كان التخوف كبيراً من تأثيرهم وحركتهم بحكم خبرتهم في التحشيد، إلا أن الحراك غفل عن الضعف وكثرة التناقضات التي ظهرت في سلوكيات قيادات الحزب بحكم علاقتهم بالمخلوع في أكثر من مرحلة من مراحل حكمه، وكان الأولى احتواء الجنوبيين منهم ليكونوا مساندين لقضيتهم بدلا من استنزاف وقتهم على حساب تنظيم صفوفهم ورصها..والاهتمام أكثر بتطوير الحراك وتنظيمه أكثر والارتقاء بعمله ومشاريعه ليكون قادراً على مواكبة التغيرات الداخلية والخارجية والابتعاد عن التقوقع في نفس المكان الذي هم فيه.


ولو أردنا أن نخرج بخلاصة من هذه الجولة المختصرة لعوار مسيرة الحراك الجنوبي، يمكننا القول: أن وجود حامل سياسي جامع للقضية الجنوبية لن يتحقق إلا بتجاوز المرحلة السابقة بكل ما فيها والاعتماد على الشباب الواعي المتعلم المثقف السياسي والمتحرر من ارتباطه بقوى خارجية وخصوصاً إيران، أو قوى داخلية مشاغبة وموالية لنظام الرئيس المخلوع عفاش، التي لا تفقه معنى مطالبة الجنوب تقرير مصيره، بل همها بقاء الجنوب صيداً ثميناً وكعكة يقتسمونها بينهم أبد الدهر.
نشر في السياسة الكويتية

التسميات:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية